يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

49

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وأتى ، وإذا كان في علو قيل : نزل وتجلى . وقد ورد هذا في القرآن والسنّة نعم ، وعندنا اليوم سمعت بحريا يقول لآخر : أمس قذف السلطان ، وكان سأله عن القطائع متى تخرج من بلد كذا . وكذلك يقولون : بنى السلطان مدينة كذا ، وهدم سور كذا . فلا تنكر هذه الألفاظ واحملها على معانيها ، وقدّس القدّوس عما لا يليق به من الانتقال والزوال والنزول والتغير . واعتقد أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا جزء ولا مصور ولا مركب ولا له بنية ولا له هيئة ولا كيفية ولا حركة ولا سكون ولا طعم ولا رائحة ولا لون ولا صورة ولا جارحة . ألا ترى كيف قال أهل العلم في الأشياء التي تقدم ذكرها مما يشبه الجوارح في الاسم كالوجه واليدين والعينين وما أشبه ذلك . عدلوا إلى تأويلها ، ولو كانت جوارح كما يقع في نفس من ليس عنده معرفة لما احتاجوا إلى تأويلها . كما أوّلوا قوله عليه الصلاة والسلام : إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن اللّه خلق آدم على صورته ، أي : على صورة المضروب . وفي رواية : خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعا . على أن عبد الرزاق قد خرج حديثا أزاح به من الإشكال قال : إن اللّه خلق وجه آدم على صورته . وقد تقدم حديث أن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن . وتقدم أيضا أين اللّه ؟ وقول الأمة : في السماء . ومرّ تفسيره في أول الكتاب . وفصل الخطاب في هذا أن تعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء ومهما قام في نفسك شيء فاللّه بخلافه . فهذا والحمد للّه يدفع عنك وسوسة الشيطان وتخييله . ألا ترى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيه : يجري من ابن آدم مجرى الدم ، ولذلك قال : يأتي الشيطان أحدكم فيقول : هذا اللّه خلق الخلق فمن خلق اللّه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام وعلمنا المخرج من ذلك : فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت باللّه ، ولينته . ولذلك حذر بعض العلماء من التمادي مع النفس في هذا المعنى فقال : تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته . وقد تقدم . وقال الترمذي رحمه اللّه وقد ذكر حديث النزول . وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات في الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا . قالوا : قد تثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ، ولا يقال : كيف هكذا . روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنهم أنهم قالوا في هذه الأحاديث : اقرؤوها بلا كيف . وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة .